حكم قضائي يعيد معرض ‘مستعبدي واشنطن’ بعد محاولة إدارة ترامب طمسه

18 فبراير 2026آخر تحديث :
حكم قضائي يعيد معرض ‘مستعبدي واشنطن’ بعد محاولة إدارة ترامب طمسه

أصدرت القاضية الأمريكية سينيثا روف حكماً قضائياً يقضي بإعادة معرض فني يتناول حياة تسعة أشخاص استعبدهم الرئيس الأمريكي الأسبق جورج واشنطن. ويأتي هذا القرار بعد أن قامت إدارة الرئيس دونالد ترامب بإزالة المعرض الشهر الماضي، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول محاولات تسييس التاريخ الوطني.

يتضمن العمل الفني لوحات توثق حياة هؤلاء الأشخاص الذين عاشوا في منزل واشنطن خلال تسعينيات القرن الثامن عشر، عندما كانت فيلادلفيا عاصمة مؤقتة للولايات المتحدة. وكان ترامب قد استند في قرار الإزالة إلى أمر تنفيذي يهدف إلى ما وصفه بـ ‘استعادة الحقيقة والاتزان’، مانعاً عرض أي عناصر قد تنتقص من الرموز التاريخية.

منعت القاضية روف مسؤولي الإدارة من تثبيت أي بدائل تشرح التاريخ بصورة مغايرة للحقائق الموثقة في المعرض الأصلي. وشبهت القاضية في حيثيات حكمها تصرفات الإدارة بـ ‘النظام الشمولي’، مشيرة إلى تشابهها مع أساليب ‘وزارة الحقيقة’ في رواية جورج أورويل الشهيرة التي تعيد كتابة السجلات التاريخية.

وتبرز قصة ‘أونا جادج’ كواحدة من أهم القصص التي يوثقها المعرض، حيث كانت خادمة شخصية لمارثا واشنطن ومسؤولة عن أدق تفاصيل حياتها. نجحت أونا في الهروب عام 1796 مستغلة انشغال العائلة بالعشاء، ورغم ملاحقتها عبر الولايات، إلا أنها عاشت حرة حتى وفاتها في منتصف القرن التاسع عشر.

أما ‘هرقل’، فقد كان الطباخ الرئيسي المتميز في منزل واشنطن، وكان يتمتع بمكانة خاصة بفضل مهاراته الاستثنائية في إعداد الأطباق. قرر هرقل الهروب في ليلة ميلاد واشنطن عام 1797، بعدما اكتشف خطة لإعادته إلى فرجينيا لحرمانه من قانون التحرير، وفشلت كافة محاولات القبض عليه لاحقاً.

وفي سياق مختلف، تظهر قصة ‘مول’ التي ولدت عام 1739 وعملت لدى عائلة واشنطن طوال حياتها في الخياطة وتربية الأطفال. لم تشمل قوانين التحرير ‘مول’ حتى وفاتها، نظراً لتصنيفها ضمن ‘عبيد المهر’ الذين انتقلوا لمارثا واشنطن كجزء من زواجها، مما جعلها ملكية لا تخضع لقرارات العتق العامة.

وشملت قائمة المستعبدين أيضاً ‘جو’، الذي عمل في إسطبلات الرئيس بعد عام 1790 وكان مسؤولاً عن رعاية الخيول. ورغم أن واشنطن سمح له بالزواج من ‘سال’، إلا أن ‘جو’ بقي مستعبداً بعد وفاة الرئيس لكونه من عبيد المهر، في حين حصلت زوجته وأطفاله على حريتهم.

وصفت القاضية إدارة ترامب بالنظام الشمولي، مقارنةً إجراءاتها بـ ‘وزارة الحقيقة’ في رواية جورج أورويل التي تراجع السجلات وفق أهوائها.

كما يوثق المعرض حياة ‘جايلز’، السائق الذي كان يرتدي زياً رسمياً فاخراً ويرافق واشنطن في رحلاته الطويلة بين الولايات الثلاث عشرة. انتهت مسيرة جايلز المهنية بعد إصابة بالغة في ركبته جعلته غير قادر على أداء مهامه، ليتم إرساله مجدداً إلى مزرعة ماونت فيرنون حيث توفي هناك.

أما المراهق ‘باريس’، فقد عمل في إسطبلات واشنطن بنيويورك وكان يرتدي الزي الرسمي لتلك الحقبة التاريخية كحامل للأمتعة. واجه باريس عقوبات قاسية من واشنطن بعد وصفه بـ ‘المتمرد’ خلال جولة جنوبية، وأعيد قسراً إلى المزرعة حيث وافته المنية خلال موجة مرض عام 1794.

ويبرز اسم ‘كريستوفر شيلز’ كأحد المستعبدين الذين تعلموا القراءة والكتابة، وعمل خادماً شخصياً مقرباً من الرئيس الأول. ورغم اكتشاف رسالة يخطط فيها للهروب، إلا أن شيلز بقي في منصبه ورافق واشنطن حتى لحظاته الأخيرة، بعد أن تم نقله سابقاً لمنع استفادته من قوانين التحرير.

وتتضمن السجلات قصة ‘أوستن’، الذي وصل إلى مزرعة ماونت فيرنون رضيعاً وتدرج ليكون نادلاً ومرافقاً لمارثا واشنطن في رحلاتها. توفي أوستن عام 1794 إثر جلطة مفاجئة أدت لسقوطه عن حصانه، تاركاً خلفه زوجة وخمسة أطفال ظلوا يعانون من ويلات الاستعباد.

أما ‘ريتشموند’، ابن الطباخ هرقل، فقد بدأ العمل في المطبخ وتنظيف المداخن وهو في الحادية عشرة من عمره فقط. تعرض ريتشموند لعقوبة قاسية بالتحويل للعمل الشاق في الحقول بعد اتهامه بسرقة المال، وبقي مصيره مجهولاً بعد نجاح والده في الهروب من قبضة العبودية.

تأتي هذه التفاصيل التاريخية لتعيد تسليط الضوء على الجوانب المظلمة في حياة مؤسسي الولايات المتحدة، والتي سعت إدارة ترامب لتهميشها. ويرى مراقبون أن الحكم القضائي يمثل انتصاراً للشفافية التاريخية وحق الأجيال في معرفة الرواية الكاملة لتأسيس البلاد بما فيها من تناقضات.

ختاماً، يمثل المعرض المعاد صرخة في وجه محاولات ‘تبييض التاريخ’، حيث تؤكد الوثائق أن النضال من أجل الحرية بدأ من داخل منزل الرئيس نفسه. ويبقى الصراع حول الذاكرة الوطنية الأمريكية مفتوحاً على احتمالات سياسية وقانونية مع اقتراب جولات انتخابية جديدة.