تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة لإدارة مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله) في نسخته لعام 2026، حيث وقع عشرات المشاركين الحاليين والسابقين رسالة مفتوحة تدين ما وصفوه بـ ‘الصمت المطبق’ تجاه حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة. واتهم الموقعون إدارة المهرجان بممارسة سياسات رقابية ممنهجة بحق الفنانين الذين حاولوا التعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني خلال الفعاليات.
وضمت قائمة الموقعين التي ارتفعت إلى 93 شخصية حتى منتصف فبراير الجاري، أسماءً لامعة في سماء السينما العالمية، يتقدمهم الممثل الأمريكي مارك روفالو والمخرج البريطاني المخضرم كين لوتش. كما انضم إليهم جيمس ويلسون منتج فيلم ‘منطقة الاهتمام’، في خطوة تعكس اتساع رقعة الغضب داخل الأوساط الفنية الدولية من موقف المهرجان الممول حكومياً.
وأعرب الفنانون في رسالتهم عن صدمتهم مما اعتبروه تورطاً مباشراً للمهرجان في قمع الأصوات المعارضة للجرائم المستمرة في غزة، مؤكدين أن المؤسسات الثقافية الكبرى لا يجب أن تكون بمنأى عن المسؤولية الأخلاقية. وأشارت الرسالة إلى أن قائمة التضامن شملت أيضاً تيلدا سوينتون، وخافيير بارديم، وصالح بكري، إلى جانب المخرجين مايك لي وآدم مكاي ونان غولدين.
واندلعت شرارة الجدل السياسي بشكل أوسع عقب تصريحات رئيس لجنة التحكيم، فيم فندرز، الذي دعا خلال المؤتمر الصحفي الافتتاحي إلى ضرورة بقاء صناعة الأفلام بعيدة عن السياسة. واعتبر فندرز أن السينما هي ‘نقيض السياسة’، وهو ما فُهم على أنه محاولة لتحييد النقاش حول الدعم الألماني الرسمي للاحتلال الإسرائيلي، خاصة وأن الحكومة الألمانية تمول جزءاً كبيراً من المهرجان.
وردت مديرة المهرجان، تريشيا تاتل، على هذه الموجة ببيان حاولت فيه تخفيف الضغط، مشيرة إلى أنه لا ينبغي توقع تعليق الفنانين على جميع النقاشات السياسية أو الممارسات السابقة للمهرجان. ومع ذلك، لم يفلح البيان في تهدئة المحتجين الذين رأوا فيه محاولة للتهرب من استحقاقات حقوق الإنسان والقانون الدولي.
وشدد الموقعون على الرسالة المفتوحة على رفضهم القاطع لرؤية فندرز، مؤكدين أنه لا يمكن فصل السينما عن الواقع السياسي والاجتماعي الذي تنبثق منه. وأوضحوا أن ‘المد يتغير’ في عالم السينما الدولي، مستشهدين بإعلان أكثر من 5 آلاف كادر سينمائي رفضهم التعاون مع مؤسسات إسرائيلية متواطئة في الانتهاكات.
وكشفت الرسالة عن كواليس صادمة من نسخة العام الماضي، حيث اتهم فنانون إدارة المهرجان بممارسة ‘توبيخ عدائي’ ضد مخرجين تحدثوا من فوق المنصة عن حق الفلسطينيين في الحرية. وأفادت مصادر بأن أحد صناع الأفلام خضع لتحقيقات أمنية، بينما حاولت القيادة تصوير خطابه المستند للقانون الدولي على أنه ‘تمييزي’ بشكل مضلل.
نتوقع من المؤسسات في صناعتنا رفض التواطؤ في العنف الرهيب الذي لا يزال يمارس ضد الفلسطينيين.
ونقلت الرسالة شهادات لمشاركين وصفوا أجواء المهرجان بأنها تتسم بـ ‘البارانويا’، حيث يشعر صناع الأفلام بأنهم غير محميين ومعرضون للملاحقة بسبب آرائهم السياسية. وأكد الفنانون أن هذا النوع من القمع المؤسسي والعنصرية المعادية للفلسطينيين لم يسبق لهم اختباره في مهرجانات سينمائية دولية أخرى بهذا الشكل الفج.
وربطت الرسالة بين ممارسات المهرجان والسياسات الألمانية العامة، مستشهدة بتقارير أممية تحذر من إساءة استخدام التشريعات لتقييد المناصرة لحقوق الفلسطينيين. واعتبر الموقعون أن تجميد المشاركة العامة وتقليص مساحة النقاش في الفنون والأكاديميا يعكس تراجعاً خطيراً في سقف الحريات داخل ألمانيا.
واستحضر الموقعون تصريحات للفنان الصيني المعارض آي ويوي، الذي انتقد بشدة تعامل ألمانيا مع التضامن الفلسطيني، مشبهاً الأجواء الحالية بفترات مظلمة من التاريخ الألماني. وطالب الفنانون إدارة ‘برليناله’ بإصدار بيان واضح يعترف بحق الفلسطينيين في الكرامة والحرية ويدين الإبادة الجماعية الجارية بلا مواربة.
وأكدت الرسالة أن ضمان حق الفنانين في التعبير دون قيود دفاعاً عن حقوق الإنسان هو ‘أقل ما يمكن للمهرجان فعله’ في ظل الظروف الراهنة. ودعت الإدارة إلى الوفاء بواجبها الأخلاقي وإنهاء ما وصفته بحماية إسرائيل من الانتقادات الدولية ودعوات المساءلة عن جرائم الحرب.
ولفتت الرسالة الانتباه إلى ازدواجية المعايير الصارخة التي تنتهجها إدارة المهرجان، حيث سبق لها إصدار بيانات قوية وواضحة بشأن أحداث في أوكرانيا وإيران. وتساءل الموقعون عن السبب الذي يمنع المهرجان من اتخاذ موقف مماثل تجاه الفظائع المرتكبة في غزة، معتبرين أن هذا التباين يضرب مصداقية المؤسسة.
وتضمنت القائمة الطويلة للموقعين شخصيات من مختلف التخصصات السينمائية، بما في ذلك كتاب سيناريو ومنتجون وممثلون مثل أديل هانيل وعليا شوكت وفرناندو ميريلس. ويأتي هذا الحراك ليضع مهرجان برلين أمام اختبار حقيقي لقيمه المعلنة حول حرية التعبير والعدالة الاجتماعية في مواجهة الضغوط السياسية والتمويلية.
وختم الفنانون رسالتهم بالتأكيد على أن صمت المؤسسات الثقافية الكبرى يعد شكلاً من أشكال التواطؤ الذي لا يمكن قبوله، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم ضد الإنسانية. ويبقى الترقب سيد الموقف حول كيفية استجابة إدارة المهرجان لهذه الضغوط المتزايدة مع استمرار فعاليات النسخة الحالية.













