بالانتير تكنولوجيز: ذكاء اصطناعي في خدمة ‘اقتصاد الإبادة’ بغزة

21 فبراير 2026آخر تحديث :
بالانتير تكنولوجيز: ذكاء اصطناعي في خدمة ‘اقتصاد الإبادة’ بغزة

برز اسم شركة ‘بالانتير تكنولوجيز’ الأمريكية كأحد المحركات التقنية الرئيسية خلف العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، حيث أثارت تصريحات رئيسها التنفيذي، ألكسندر كارب، موجة غضب واسعة. كارب، الذي لا يخفي فخره بالتربح من الصناعات العسكرية، ظهر في مناسبات عدة وهو يستهزئ بالانتقادات الموجهة لشركته، مؤكداً بوضوح أن أدوات الذكاء الاصطناعي التي تنتجها الشركة تسهم بشكل مباشر في العمليات القتالية.

تأسست الشركة في أعقاب هجمات 11 سبتمبر بهدف أتمتة العمل الاستخباراتي، وقد ارتبط اسمها منذ البداية بمؤسسها الملياردير بيتر ثيل، المعروف بتوجهاته اليمينية المتطرفة ودعمه المطلق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتكشف السجلات أن الشركة نمت في بيئة استخباراتية معقدة، حيث تلقت استثمارات أولية مرتبطة بشخصيات مثيرة للجدل مثل جيفري إبستين، مما عزز من صورتها كشركة تجسس سرية تعمل في الظل.

في عام 2025، حققت ‘بالانتير’ قفزة مالية هائلة تجاوزت توقعات بورصة ‘وول ستريت’، مدعومة بعقود ضخمة مع الجيش الأمريكي وصلت قيمتها إلى 10 مليارات دولار. هذا الصعود المالي لم يكن منفصلاً عن دورها الميداني، إذ أصبحت الشركة المحلل الرئيسي للبيانات العسكرية واستخراج المعلومات الاستخباراتية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تتنبأ بالسلوكيات البشرية وتحدد الأهداف العسكرية بدقة.

تعتمد الشركة على برمجيتين أساسيتين، أبرزهما نظام ‘غوثام’ المخصص للحكومات وأجهزة الاستخبارات، والذي يقوم بدمج البيانات من مصادر متعددة مثل الهواتف والسجلات الطبية ومخالفات السير. هذا النظام يسمح ببناء ملفات تعريفية شاملة للأفراد، مما يجعله أداة تجسس مثالية تم بيعها لمخابرات جيش الاحتلال الإسرائيلي لاستخدامها في مراقبة الفلسطينيين وتتبع تحركاتهم في الضفة وغزة.

الموقف السياسي للشركة تجاه العدوان على غزة كان صريحاً وفاضحاً، حيث أعلن ألكسندر كارب دعمه الكامل للاحتلال، واصفاً الاحتجاجات الطلابية المؤيدة لفلسطين في الجامعات الأمريكية بأنها ‘عدوى’ و’دين وثني’. ولم يتوقف الأمر عند التصريحات، بل أعلنت الشركة عن تخصيص وظائف حصرية للخريجين اليهود، في خطوة اعتبرها مراقبون تمييزاً أيديولوجياً فجاً لدعم رواية الاحتلال.

ميدانياً، يستخدم جيش الاحتلال برامج ‘بالانتير’ لتحليل لقطات الطائرات بدون طيار وتحديد إحداثيات القصف داخل الأحياء السكنية المكتظة في غزة. وتوفر هذه التقنيات البيانات اللازمة لإطلاق الصواريخ على أهداف محددة، سواء كانت منازل مدنية أو مركبات متحركة، مما يضع الشركة في قلب المسؤولية القانونية عن المجازر المرتكبة بحق المدنيين.

تقارير الأمم المتحدة، وتحديداً ما صدر عن المقررة الخاصة فرانشيسكا ألبانيز، صنفت ‘بالانتير’ ضمن قائمة الشركات المتورطة في ‘اقتصاد الإبادة’. وأشارت ألبانيز إلى أن استمرار تزويد الاحتلال بهذه التكنولوجيا رغم الأدلة الدامغة على الانتهاكات يرتقي إلى مستوى التواطؤ في جرائم دولية تستوجب المحاسبة أمام القضاء الدولي.

نقتل الناس أحياناً.. نحن نشارك في عمليات حاسمة في إسرائيل.

منظمة ‘خدمة الأصدقاء الأمريكية’ (AFSC) أكدت بدورها أن الشركة هي واحدة من أبرز المستفيدين مالياً من الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة. ونشرت المنظمة تقارير تفيد بأن ‘بالانتير’ لا تكتفي بتقديم الدعم التقني، بل تروج لنجاعة أنظمتها من خلال اختبارها الميداني على أجساد الفلسطينيين، مما يزيد من قيمتها السوقية في بورصات السلاح العالمية.

على الصعيد الحقوقي، واجهت الشركة ضغوطاً دولية أدت إلى انسحاب مستثمرين كبار، مثل شركة ‘ستوربراند’ النرويجية لإدارة الأصول، التي تخلت عن حصتها في ‘بالانتير’. وجاء هذا القرار احتجاجاً على بيع الشركة لأنظمة تنبؤية تدعم المراقبة الإسرائيلية غير القانونية والانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

تتجاوز طموحات الشركة المجال العسكري لتشمل السيطرة على البيانات المدنية، حيث كشفت تقارير عن استخدام برامجها سراً لتتبع متلقي اللقاحات والموارد الطبية خلال جائحة كوفيد-19. وشبه خبراء تقنيون هذا النظام بمركز استخبارات مركزي للمستشفيات، يتحكم في تدفق الموارد الحيوية بناءً على خوارزميات غامضة تفتقر للشفافية.

في الولايات المتحدة، حصلت الشركة على عقود لإنشاء منصات تتبع للمهاجرين وتسريع عمليات الترحيل القسري، مما يربط نشاطها بقمع الفئات الضعيفة محلياً ودولياً. هذه العقود، التي بلغت قيمتها ملايين الدولارات، تعكس تحالف الشركة الوثيق مع الأجندات السياسية المتطرفة التي تتبناها إدارة ترامب وحلفاؤه في واشنطن.

اسم الشركة المستوحى من رواية ‘سيد الخواتم’، حيث تشير ‘بالانتير’ إلى كرات الكريستال السحرية التي تخترق الزمان والمكان، يعكس فلسفة مؤسسيها في السيطرة المطلقة على المعلومات. لكن هذه ‘الرؤية’ تحولت في الواقع إلى أداة لإنهاء عصر الخصوصية وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى سلاح فتاك بيد القوى الاستعمارية.

يرى نشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان أن ‘بالانتير’ تمثل المعضلة الأخلاقية الأعمق في العصر الرقمي، حيث يتم تسخير الابتكار التكنولوجي لخدمة آلات القتل. إن التداخل بين رأس المال التكنولوجي والأجندات العسكرية الصهيونية يجعل من هذه الشركة نموذجاً لما يسمى ‘الاستعمار الرقمي’ الذي يغذي الصراعات لتحقيق أرباح مليارية.

ختاماً، يبقى ملف ‘بالانتير’ مفتوحاً أمام المنظمات الحقوقية التي تسعى لملاحقة الشركات المساهمة في جرائم الحرب، وسط دعوات متزايدة لمقاطعتها دولياً. إن كشف الدور الخفي لهذه الشركة في غزة يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته في وضع حد لتوظيف الذكاء الاصطناعي في عمليات الإبادة الجماعية وتدمير المجتمعات.