انتصار قضائي لحركة ‘فلسطين آكشن’ في بريطانيا: المحكمة العليا تبطل قرار الحظر

21 فبراير 2026آخر تحديث :
انتصار قضائي لحركة ‘فلسطين آكشن’ في بريطانيا: المحكمة العليا تبطل قرار الحظر

سجلت الحركات الحقوقية الداعمة لفلسطين في المملكة المتحدة انتصاراً قضائياً أولياً وبارزاً، عقب صدور حكم من المحكمة العليا في إنجلترا وويلز يبطل قرار تصنيف حركة ‘فلسطين آكشن’ (Palestine Action) كمنظمة محظورة. واعتبرت المحكمة في حيثيات حكمها الصادر في فبراير 2026 أن قرار وزارة الداخلية كان ‘غير قانوني’ و’غير متناسب’، مما يفتح الباب أمام مراجعة شاملة لسياسات الدولة تجاه الاحتجاجات السلمية.

تأسست حركة ‘فلسطين آكشن’ في عام 2020، متبنية استراتيجية ‘العمل المباشر’ لتعطيل سلاسل توريد الأسلحة البريطانية إلى إسرائيل، وخاصة تلك المرتبطة بشركة ‘إلبيت سيستمز’. وقد تطور نشاط الحركة بشكل ملحوظ منذ مطلع عام 2024، ليشمل استهداف مؤسسات مالية وجامعات وشركات بنية تحتية، مما دفع السلطات البريطانية لتشديد قبضتها الأمنية ضد ناشطيها.

في منتصف عام 2025، اتخذت وزيرة الداخلية آنذاك إيفيت كوبر خطوة تصعيدية بإدراج الحركة تحت طائلة قوانين مكافحة الإرهاب، مبررة ذلك بهجمات استهدفت منشآت عسكرية وحيوية. وزعمت الحكومة حينها أن هذا الإجراء ضروري لحماية الأمن القومي، مؤكدة أن الانتماء للمجموعة أو التعبير عن دعمها سيصبح جريمة جنائية يعاقب عليها القانون.

أحدث قرار الحظر موجة من الاعتقالات الواسعة في صفوف المتضامنين، حيث سجلت مصادر حقوقية اعتقال مئات الأشخاص لمجرد رفع لافتات أو شعارات مؤيدة للحركة. ومن اللافت للنظر أن قائمة المعتقلين ضمت فئات عمرية متقدمة، من بينهم قسيسة متقاعدة تبلغ من العمر 83 عاماً، مما أثار انتقادات واسعة حول استهداف الدولة للمحتجين السلميين.

رأت المحكمة العليا أن وزارة الداخلية ارتكبت خطأً جوهرياً عندما جعلت من ‘فوائد الإدراج’ القمعية سبباً مستقلاً للحظر، بدلاً من تقديم تبريرات أمنية كافية تتجاوز عتبة الجرائم الجنائية العادية. وأكد القضاة أن القانون الجنائي العام يظل أداة كافية لمعالجة أعمال التخريب، دون الحاجة لوصم الحركات السياسية بالإرهاب وتجريم خطابها العام.

شدد الحكم القضائي على أن الحظر أحدث ‘أثراً مبرداً’ على حرية التعبير والتجمع في بريطانيا، متجاوزاً مبدأ التناسب الذي يجب أن يحكم علاقة الدولة بالمجتمع المدني. وأوضح التقرير القضائي أن عدداً ضئيلاً فقط من أفعال الحركة بلغ مستوى ‘الضرر الجسيم’، وهو ما لا يبرر سحق المساحة الديمقراطية المتاحة للاحتجاج ضد تصدير السلاح.

رغم هذا الانتصار، لا يزال المسار القانوني مفتوحاً على عدة احتمالات، حيث أعلنت وزيرة الداخلية الحالية شبانا محمود نية الحكومة استئناف الحكم أمام المحاكم الأعلى. وتتمسك الحكومة برؤيتها التي تعتبر أن حماية المنشآت الاقتصادية والعسكرية من التخريب تقع في صلب مهام الأمن القومي التي لا يجب تقييدها بأحكام قضائية.

إن قرار الحظر يمثل تدخلاً شديد الأهمية في الحقوق الأساسية، ولا تبرره درجة الأفعال المنسوبة للحركة من حيث النطاق والاستمرارية.

تعتمد حركة ‘فلسطين آكشن’ في فلسفتها على ‘الشجاعة المدنية’، حيث يرى ناشطوها أن المخاطرة بالسجن أقل كلفة أخلاقية من الصمت تجاه ما يجري في الأراضي الفلسطينية. وقد ساهمت هذه الروح في تحويل قرار الحظر إلى عامل تعبئة إضافي، جذب شرائح مجتمعية متنوعة من أكاديميين وحقوقيين وكبار سن انخرطوا في العمل الميداني.

يشير الخبراء القانونيون إلى أن القضية تختبر اليوم قدرة النظام القضائي البريطاني على رسم حدود فاصلة بين مكافحة الجريمة وبين تجريم المواقف السياسية المعارضة. فالتوسع في تعريف الإرهاب ليشمل ‘إتلاف الممتلكات’ لأهداف سياسية يضع الكثير من حركات العدالة الاجتماعية في دائرة الاستهداف الأمني المباشر.

في حال فشل استئناف الحكومة، فإن ذلك سيعني إلغاء مفاعيل الإدراج الجنائية، مما سيعيد الاعتبار لآلاف المتضامنين الذين واجهوا الملاحقة بتهم تتعلق بالتعبير عن الرأي. كما سيعزز ذلك من مكانة المنظمات الحقوقية التي طالبت بوقف ‘شيطنة’ المحتجين والاعتذار عن التجاوزات الأمنية التي حدثت خلال فترة الحظر.

على الجانب الآخر، إذا نجحت الحكومة في استئنافها، فقد يكرس ذلك سابقة قانونية تمنح وزراء الداخلية صلاحيات واسعة في استخدام قوانين الإرهاب ضد الحركات الاحتجاجية. وهذا السيناريو يثير مخاوف جدية لدى الأوساط الحقوقية من تحول بريطانيا إلى بيئة تقيد العمل المباشر وتضيق الخناق على التضامن الدولي.

تظل حادثة قاعدة ‘برايز نورتون’ الجوية نقطة ارتكاز في السجال الحكومي، حيث اعتبرتها السلطات دليلاً على تجاوز الحركة للخطوط الحمراء في الاحتجاج. ومع ذلك، يجادل المدافعون عن الحركة بأن هذه الأفعال تهدف إلى تسليط الضوء على التواطؤ العسكري، ولا تندرج ضمن مفاهيم الإرهاب التي تستهدف المدنيين أو ترويع الجمهور.

إن التراكم الحقوقي الذي حققته ‘فلسطين آكشن’ في أروقة المحاكم يثبت أن المعارك القانونية لا تقل أهمية عن التحركات الميدانية في تغيير موازين القوى. فالحكم الأخير لم يكن مجرد إجراء إجرائي، بل كان انتصاراً للمبدأ الذي يرفض تحويل أدوات الدولة الأمنية إلى سياج يحمي شركات السلاح من المساءلة الشعبية.

ختاماً، يبقى ملف الحركة مفتوحاً على صراع الإرادات بين سلطة تنفيذية تسعى لتوسيع صلاحياتها، وقضاء يحاول حماية الحريات الأساسية، وشارع يصر على حقه في التضامن. وستحدد الشهور القادمة ما إذا كانت بريطانيا ستستمر في نهج التجريم، أم أنها ستستجيب لنداءات التصحيح القضائي والحقوقي.