تحولات في ملف الصحراء: مفاوضات مدريد تبحث ‘الحكم الذاتي’ تحت إشراف أمريكي

25 فبراير 2026آخر تحديث :
تحولات في ملف الصحراء: مفاوضات مدريد تبحث ‘الحكم الذاتي’ تحت إشراف أمريكي

كشفت تقارير صحفية دولية عن كواليس اجتماع رفيع المستوى احتضنته العاصمة الإسبانية مدريد خلال الشهر الجاري، ضم مسؤولين من المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو. الاجتماع الذي جرى تحت إشراف مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية، ركز بشكل أساسي على مناقشة تفاصيل خطة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل نهائي لنزاع الصحراء الغربية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن العملية التفاوضية الحالية تشهد تحولاً جذرياً في المسارات السياسية المعتادة، حيث بدأ التوجه نحو التخلي الضمني عن خيار استفتاء تقرير المصير الذي طالما تمسك به خصوم الوحدة الترابية للمغرب. هذا التحول يأتي في سياق دولي جديد فرضته قرارات مجلس الأمن الأخيرة، وتحديداً القرار رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025.

وتشير المعطيات المسربة إلى أن المقترح الحالي يتجاوز الطروحات القديمة التي باتت تعتبر ‘متجاوزة’ في أروقة الدبلوماسية الدولية. وبدلاً من ذلك، يتم التركيز على صياغة إطار قانوني ومؤسساتي يضمن حكماً ذاتياً موسعاً تحت السيادة المغربية، وهو ما يمثل جوهر المبادرة التي تحظى بدعم واشنطن وعواصم أوروبية فاعلة.

تعتمد المسودة المقترحة، والتي تداولتها أوساط إعلامية، على مبدأ توزيع السلطات بين المركز والجهة، بحيث تمتلك المنطقة صلاحيات واسعة في إدارة الشؤون المحلية والاقتصادية والاجتماعية. وفي المقابل، تظل السلطات السيادية المتعلقة بالدفاع والأمن والسياسة الخارجية والعملة بيد الدولة المركزية في الرباط، وفقاً للنموذج الكلاسيكي للحكم الذاتي.

وتتضمن الخطة الجديدة بنوداً مؤسسية تهدف إلى بناء ثقة متبادلة، من بينها إنشاء جمعية تشريعية منتخبة تمثل سكان المنطقة وتتولى سن القوانين المحلية. كما تشمل المبادرة جانباً إنسانياً وسياسياً يتعلق بالمصالحة الوطنية، يفتح الباب أمام عودة اللاجئين من مخيمات تندوف بالجزائر إلى مدنهم وقراهم في الصحراء.

ومن بين النقاط الأكثر إثارة للجدل في المقترح، بند ينص على إصدار عفو شامل عن قادة جبهة البوليساريو، مما يمهد الطريق لاندماجهم في الحياة السياسية والمدنية داخل المغرب. ويهدف هذا الإجراء إلى إنهاء حالة النزاع المسلح والسياسي المستمرة منذ عقود، وتحويل الجبهة إلى كيان سياسي يشارك في تدبير شؤون الإقليم.

ورغم التقدم المحرز في بعض الملفات، إلا أن المفاوضات لا تزال تصطدم بعقبات جوهرية تتعلق بآلية تعيين رئيس السلطة التنفيذية المحلية في الإقليم. فبينما ينص المقترح على أن يتم التعيين من قبل العاهل المغربي، تطالب الجزائر والبوليساريو بأن يكون المنصب نتاج عملية انتخابية مباشرة من قبل السكان المحليين.

النقطة الأساسية في عملية المفاوضات الحالية تحت إشراف الأمريكيين هي التخلي الضمني عن استفتاء تقرير المصير.

كما تبرز نقطة خلافية أخرى تتعلق بالهيئة الناخبة التي يحق لها التصويت في أي استفتاء تأكيدي مستقبلي على خطة الحكم الذاتي. ففي حين يقترح النص مشاركة جميع الناخبين المغاربة في الاستفتاء باعتباره شأناً وطنياً، يصر الطرف الآخر على قصر المشاركة على الناخبين المنتمين للأصول الصحراوية فقط.

وترى مصادر دبلوماسية أن قبول الجزائر للمشاركة في مفاوضات مدريد والجلوس على طاولة تناقش الخطة المغربية يعد مؤشراً على ضغوط دولية كبيرة. ويبدو أن صانع القرار في الجزائر يجد نفسه مضطراً للانخراط في هذا المسار لتفادي العزلة الدبلوماسية المتزايدة، خاصة بعد اعتراف قوى كبرى بمغربية الصحراء.

وتشير التحليلات إلى أن القيادة الجزائرية قد تواجه تحديات داخلية في تسويق هذا التحول المفاجئ في موقفها التاريخي تجاه القضية. فبعد عقود من الدعم المطلق لخيار الاستقلال، يمثل الانخراط في نقاشات ‘الحكم الذاتي’ تغيراً جوهرياً يتطلب صياغة خطاب سياسي جديد يبرر هذا التوجه للرأي العام المحلي.

من جانبها، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تسريع وتيرة الاجتماعات للوصول إلى ‘اتفاق إطار’ قبل حلول الصيف المقبل. ومن المقرر عقد جلسات تقنية ومكثفة خلال الأسابيع القادمة لتذليل العقبات القانونية والسياسية التي لا تزال تعترض التوصل إلى صيغة نهائية ترضي جميع الأطراف المنخرطة.

ويعول الوسطاء الدوليون على اجتماع مايو المقبل ليكون محطة حاسمة في إنهاء هذا النزاع الإقليمي الطويل الذي عطل التكامل الاقتصادي في المغرب العربي. وتأمل واشنطن أن يؤدي الاتفاق المرتقب إلى تعزيز الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، وفتح آفاق جديدة للتعاون الأمني والاقتصادي بين دول المنطقة.

وفي ظل هذه التطورات، يراقب المجتمع الدولي مدى قدرة الأطراف على تقديم تنازلات مؤلمة للوصول إلى حل ‘لا غالب ولا مغلوب’. فالمغرب يرى في الحكم الذاتي أقصى ما يمكن تقديمه، بينما تبحث الأطراف الأخرى عن ضمانات سياسية وقانونية تحفظ ماء وجهها بعد سنوات من الصراع المرير.

يبقى التساؤل قائماً حول مدى صمود هذه التفاهمات أمام التوازنات الإقليمية المعقدة، خاصة في ظل التوترات الحدودية المستمرة. ومع ذلك، فإن زخم مفاوضات مدريد يشير إلى أن قطار التسوية قد انطلق بالفعل، وأن الخيارات القديمة لم تعد تمتلك ذات القوة التي كانت عليها في العقود الماضية.