أزمة ‘حرب الخرائط’: الترسيم البحري الجديد يفتح جبهة خلافات معقدة بين العراق والكويت وإيران

27 فبراير 2026آخر تحديث :
أزمة ‘حرب الخرائط’: الترسيم البحري الجديد يفتح جبهة خلافات معقدة بين العراق والكويت وإيران

تشهد منطقة شمال الخليج العربي توتراً متصاعداً فيما يُعرف بـ ‘حرب الخرائط’، حيث تمحور الخلاف الجوهري بين العراق والكويت حول ترسيم الحدود البحرية في المنطقة الواقعة جنوب العلامة 162. هذه النقطة تمثل نهاية الترسيم الذي أقره مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 833 لعام 1993، إلا أن تحديد البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية ما زال يثير تجاذبات قانونية وسياسية حادة بين البلدين.

تتمسك الكويت بخط أساس ينطلق من منطقة ‘فشت العيج’ الضحلة الواقعة في مدخل خور عبد الله، وهو ما كرسه المرسوم الأميري رقم 317 الصادر في عام 2014. في المقابل، يرفض الجانب العراقي هذا التوجه جملة وتفصيلاً، حيث وجهت بغداد رسائل رسمية إلى الأمم المتحدة تعتبر فيها الإجراء الكويتي فعلاً باطلاً بموجب أحكام القانون الدولي ولا يترتب عليه أي أثر قانوني ملزم.

النزاع لم يقتصر على المراسيم، بل امتد ليشمل النشاطات الميدانية في المناطق الحيوية، حيث اعترضت وزارة الخارجية العراقية في مارس 2023 على محاولات الجانب الكويتي نصب محطة تنقيب عن النفط في ‘خور الخفكة’. وتقع هذه المنطقة على بعد نحو 30 ميلاً بحرياً جنوب الساحل العراقي، وتضم منشآت استراتيجية من بينها ميناء البصرة النفطي الذي يعد شريان الاقتصاد العراقي.

وفي تطور لافت جرى في فبراير 2026، قدم العراق خرائط وإحداثيات جديدة لمجالاته البحرية، اعتمد فيها على كاسر الأمواج الخاص بميناء الفاو الكبير كخط أساس بدلاً من الساحل الطبيعي. ويرى مراقبون أن هذا التحول يهدف إلى خلق ورقة ضغط تفاوضية في مواجهة الإصرار الكويتي على اعتماد ‘فشت العيج’، رغم أن اتفاقية قانون البحار تمنع الاعتماد على المنشآت المستحدثة في الترسيم.

تكشف مراجعة الإحداثيات العراقية الأخيرة عن طموحات واسعة، حيث رسمت بغداد منطقة اقتصادية خالصة تمتد لعمق 86 ميلاً بحرياً في الخليج العربي. هذا الترسيم يثير تساؤلات فنية وقانونية، خاصة وأن الساحل العراقي لا يتجاوز طوله 58 كيلومتراً، مما يجعل هذه المساحات تتقاطع بشكل مباشر مع المناطق الاقتصادية التي أعلنتها كل من الكويت وإيران في وقت سابق.

الحدود البحرية للدول لا ترسم عبر التعدي على حقوق الآخرين أو الارتجال، بل عبر التوافق أو آليات تسوية النزاعات الدولية.

أبرز المفاجآت في الخريطة العراقية الجديدة هي شمولها لحقل ‘الدرة’ للنفط والغاز ضمن السيادة العراقية، وهو الحقل الذي ظل محل نزاع كويتي إيراني لأكثر من نصف قرن. فبينما تعتبره الكويت والسعودية حقلاً مشتركاً بموجب اتفاقية عام 2000، تطالب إيران بحصة 40% منه وتسميه حقل ‘آراش’، ليدخل العراق الآن كطرف ثالث ومباشر في هذا الملف المعقد.

المثير للاستغراب في الأوساط السياسية هو غياب رد الفعل الإيراني الفوري على الترسيم العراقي الجديد، رغم أنه يقتطع نحو ثلث الحدود البحرية التي رسمتها طهران لجرفها القاري. هذا الصمت يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة التفاهمات الإقليمية أو ما إذا كانت هذه الخرائط ستؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات في منطقة شمال الخليج العربي خلال المرحلة المقبلة.

بالنظر إلى التجارب السابقة بين دول المنطقة مثل السعودية والإمارات وعمان، يظهر أن التوافق كان دائماً يعتمد على مبدأ ‘تساوي البعد’ وتجاهل الجزر الصغيرة بسبب ضيق عرض الخليج. إلا أن التوجه العراقي الأخير يبتعد عن هذه القواعد التقليدية، مما قد يعقد فرص الوصول إلى حلول ثنائية سريعة ويجعل اللجوء إلى التحكيم الدولي خياراً لا مفر منه.

في نهاية المطاف، تظل الحلول القانونية عبر المحكمة الدولية لقانون البحار أو محكمة العدل الدولية هي المسار الأسلم لفض هذا الاشتباك الحدودي. إن فرض الأمر الواقع عبر إيداع خرائط من طرف واحد في الأمم المتحدة لن يمنح شرعية قانونية دائمة، طالما بقيت الأطراف الثلاثة، العراق والكويت وإيران، بعيدة عن طاولة مفاوضات شاملة تضمن حقوق الجميع.