برز رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، كأحد القادة الأوروبيين القلائل الذين اختاروا المواجهة العلنية والحازمة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. جاء ذلك في خطاب متلفز استغرق عشر دقائق، وصفه مراقبون بأنه جريء للغاية، حيث رد فيه سانشيز على تهديدات واشنطن بقطع العلاقات التجارية مع مدريد. التهديد الأمريكي جاء عقب رفض الحكومة الإسبانية السماح باستخدام قاعدتين عسكريتين في الأندلس لشن ضربات جوية ضد أهداف إيرانية.
أوضح سانشيز في خطابه أن جوهر الخلاف يكمن في رؤية إسبانيا لمخاطر اندلاع حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط، مؤكداً أن مثل هذا الصراع سيؤدي إلى خسائر بشرية هائلة وزعزعة استقرار الاقتصاد العالمي. واعتبر رئيس الوزراء الإسباني أن الواجب الأساسي للحكومات هو حماية حياة مواطنيها، وليس التلاعب بالصراعات الدولية لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية ضيقة. وشدد على أن استخدام ‘ستار الحرب’ للتغطية على الفشل الداخلي هو أمر غير مقبول بتاتاً في الأعراف الدولية.
تضمن خطاب سانشيز انتقادات لاذعة لمن وصفهم بالقادة الذين يثرون جيوب قلة مختارة من خلال تجارة السلاح وبناء الصواريخ بدلاً من المستشفيات. وأكد أن الديمقراطية والاحترام المتبادل بين الأمم لا يمكن أن ينشأ من بين الأنقاض، رافضاً فكرة ‘الطاعة العمياء’ كشكل من أشكال القيادة. وأشار إلى أن إسبانيا لن تتواطأ في أي فعل يتعارض مع قيمها ومصالحها الوطنية، حتى لو كان الثمن مواجهة انتقام من قوى كبرى.
على الصعيد الداخلي، لاقت كلمات سانشيز صدى واسعاً لدى الشارع الإسباني، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن أقل من 16% من المواطنين ينظرون بإيجابية للرئيس الأمريكي الحالي. ويعيد هذا الموقف إلى الأذهان الغضب الشعبي الذي اجتاح إسبانيا عام 2003 بسبب دعم الحكومة المحافظة آنذاك لغزو العراق. ومع ذلك، واجه سانشيز انتقادات حادة من المعارضة اليمينية التي اتهمته بتعريض العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة للخطر من أجل مكاسب حزبية.
اتهم ألبرتو نونيز فيخو، زعيم حزب الشعب المحافظ، رئيس الوزراء بممارسة سياسة ‘متهورة’ قد تضر بمصالح إسبانيا الاقتصادية والأمنية. ومن جانبه، ذهب سانتياغو أباسكال، زعيم حزب فوكس اليميني المتطرف، إلى أبعد من ذلك ملمحاً إلى أن قرارات الحكومة تتأثر بجهات خارجية. تعكس هذه الانقسامات حدة الاستقطاب السياسي في مدريد تجاه كيفية التعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة وأسلوبها التفاوضي المتقلب.
لا يعد موقف سانشيز الأخير مفاجئاً لمن يتابع سياسته الخارجية، فهو يُعتبر من أشد المنتقدين الأوروبيين للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة. وقد سبق لسانشيز أن اتهم الاحتلال بممارسة ‘إبادة جماعية’ وقتل الأطفال جوعاً، وهو موقف وضعه في صدام متكرر مع حلفاء واشنطن. كما عارض التدخلات العسكرية الأمريكية في فنزويلا، متمسكاً بضرورة الحلول الدبلوماسية واحترام سيادة الدول.
في المقابل، يبدو صوت سانشيز وحيداً في القارة الأوروبية التي تعاني من انقسامات وتحديات داخلية تمنع قادتها من اتخاذ مواقف مماثلة. فبينما أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تضامنه مع إسبانيا في مواجهة التهديدات التجارية، إلا أنه يتبنى نهجاً أكثر براغماتية. يحاول ماكرون السير على حبل مشدود، حيث ينتقد انتهاكات القانون الدولي من جهة، ويحمل القيادة الإيرانية مسؤولية التصعيد من جهة أخرى.
من السذاجة الاعتقاد بأن ممارسة الطاعة العمياء والخضوع التام هي شكل من أشكال القيادة.. لن نتواطأ في أمر يضر بالعالم لمجرد الخوف من الانتقام.
فرنسا قامت بتحريك حاملة الطائرات ‘شارل ديغول’ إلى شرق المتوسط، في خطوة وصفها ماكرون بأنها ‘دفاعية بحتة’ لدعم الحلفاء الإقليميين. ومع ذلك، تؤكد مصادر دبلوماسية فرنسية أن الأولوية القصوى لباريس هي إيجاد مخرج سياسي للأزمة وتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة. هذا الموقف الفرنسي يعكس رغبة في الحفاظ على دور الوسيط دون الدخول في مواجهة مباشرة وعلنية مع إدارة ترامب.
أما في برلين، فقد اختار المستشار الألماني فريدريش ميرز نهجاً تصالحياً لافتاً مع واشنطن، مبتعداً بشكل واضح عن موقف مدريد. ميرز صرح بأن الوقت الحالي ليس مناسباً لتوجيه اللوم للحلفاء، مؤكداً على ضرورة التعاون لتحقيق الأهداف المشتركة رغم التحفظات. ويبدو أن القلق الألماني من التعريفات الجمركية الأمريكية والموقف من أوكرانيا يدفع برلين نحو تجنب أي صدام مع ترامب في الوقت الراهن.
المستشار الألماني ذهب إلى أبعد من ذلك عندما أيد انتقادات ترامب لإسبانيا بشأن الإنفاق الدفاعي، وهو ما اعتبره مراقبون طعنة في ظهر التضامن الأوروبي. ميرز، الذي يواجه تحديات انتخابية من اليمين المتطرف وضغوطاً لإنعاش الاقتصاد، يرى في البراغماتية وسيلة لتأمين هامش مناورة مع واشنطن. هذا الموقف الألماني منح ترامب انتصاراً دبلوماسياً في مساعيه لزرع الشقاق بين الحلفاء الأوروبيين وتقسيم مواقفهم.
في إيطاليا، تتبع رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني سياسة ‘الغموض المتعمد’ للحفاظ على توازن دقيق بين ولائها لترامب والتزاماتها الأوروبية. ميلوني أكدت أن بلادها ليست في حالة حرب ولا تنوي الدخول فيها، لكنها تجنبت إدانة التحركات الأمريكية بشكل مباشر. هذا التوازن يعكس رغبة روما في عدم قطع الخيوط مع البيت الأبيض، مع الحفاظ على مسافة كافية تضمن لها عدم الانجرار خلف مغامرات عسكرية غير محسوبة.
رغم حذر ميلوني، خرج وزير دفاعها غيدو كروسيتو بتصريحات أكثر صراحة أمام البرلمان، معتبراً أن الضربات على إيران تمت خارج قواعد القانون الدولي. وأشار كروسيتو إلى أن العالم وجد نفسه مضطراً لإدارة تبعات حرب اندلعت دون علم الحلفاء، مما يعكس استياءً مكتوماً داخل المؤسسة العسكرية الإيطالية. ومع ذلك، تظل روما مستعدة لدراسة أي طلبات أمريكية لاستخدام القواعد العسكرية في حال ورودها رسمياً.
المواجهة الدبلوماسية انتقلت إلى أروقة التصريحات الصحفية، حيث ادعت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن مدريد غيرت موقفها وأصبحت مستعدة للتعاون. هذا الادعاء قوبل برد سريع وحاسم من وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، الذي نفى هذه الأنباء جملة وتفصيلاً. وأكد ألباريس أن موقف إسبانيا الرافض للحرب واضح ولا لبس فيه، مشدداً على استقلالية القرار السيادي الإسباني بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
تستمر إسبانيا في قيادة هذا التوجه المنفرد داخل الاتحاد الأوروبي، مراهنة على مبادئ القانون الدولي ورفض سياسة القوة. وبينما يراقب العالم تطورات الصراع مع إيران، يبقى موقف سانشيز اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدول الأوروبية على الصمود أمام الضغوط الأمريكية. إن هذه الأزمة لا تعيد رسم العلاقات العابرة للأطلسي فحسب، بل تكشف أيضاً عن عمق الفجوة في الرؤى الاستراتيجية بين العواصم الأوروبية الكبرى.













