أفادت مصادر مطلعة بأن الأنظار تتجه حالياً نحو العاصمة الإيرانية طهران، ترقباً لصدور موقف رسمي جديد قد يكسر حالة الجمود الدبلوماسي الراهنة. ويأتي ذلك بعد تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية التي أكد فيها عدم وجود نية للدخول في جولة مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة في الوقت الحالي.
وأوضحت المصادر أن الموقف الإيراني يستند بشكل أساسي إلى المحددات الاستراتيجية التي وضعها المجلس الأعلى للأمن القومي، والذي رسم مساراً واضحاً لأي عملية تفاوضية محتملة. وترتبط هذه الرؤية بمذكرة تفاهم سابقة تتضمن ملفات شائكة، أبرزها أمن الملاحة في مضيق هرمز والإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة في الخارج.
وتشمل المطالب الإيرانية أيضاً الحصول على إعفاءات خاصة بالصادرات النفطية ورفع العقوبات الأمريكية المفروضة على قطاعات حيوية، بالإضافة إلى مناقشة الملف اللبناني. وترى طهران أن الالتزام بهذه البنود هو المدخل الوحيد لأي حوار مستقبلي مع الإدارة الأمريكية، بعيداً عن الضغوط السياسية الراهنة.
وعلى الرغم من حالة الجمود المعلنة، إلا أن القنوات الدبلوماسية لم تنقطع تماماً، حيث تشير المعلومات إلى استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء الدوليين. وقد جرت اتصالات مكثفة خلال الساعات الماضية بين وزير الخارجية الإيراني ونظيره الباكستاني في إطار جهود الوساطة الرامية لتقريب وجهات النظر.
وفي سياق متصل، لا يزال وزير الخارجية الإيراني والوفد المفاوض المرافق له متواجدين في العراق، مما يشير إلى استمرار المشاورات الإقليمية حول الملفات العالقة. ومع ذلك، تؤكد طهران أنها لن تتراجع عن شروطها المسبقة قبل العودة إلى طاولة المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة مع واشنطن.
ويبرز في المشهد الإيراني حضور قوي للمؤسسة العسكرية والتيار المحافظ، الذي يبدي تشككاً كبيراً في النوايا الأمريكية تجاه النظام الإيراني. وتنعكس هذه الرؤية في تصريحات القيادات العسكرية التي تحذر من محاولات واشنطن لزعزعة الاستقرار الداخلي عبر دعم جماعات معارضة في المناطق الحدودية.
من جانبه، حذر مستشار المرشد الإيراني، محسن رضائي، مما وصفها بمؤامرات أمريكية تستهدف الأمن القومي الإيراني، معتبراً أن هذه التحركات تمثل عائقاً أساسياً أمام الحوار. وترى القيادة الإيرانية أن الهدف الحقيقي لواشنطن هو تأمين تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز دون تقديم تنازلات سياسية حقيقية.
طهران لا تعتزم الدخول في مرحلة جديدة من المفاوضات خلال الوقت الراهن، وتستند في موقفها إلى محددات وضعها المجلس الأعلى للأمن القومي.
ميدانياً، أظهرت بيانات شركة ‘كبلر’ المتخصصة في تتبع حركة السفن أن الملاحة في مضيق باب المندب حافظت على وتيرتها المعتادة رغم التوترات السياسية. وقد عبرت نحو 20 سفينة المضيق يوم الإثنين الماضي، وهو رقم يطابق الإحصائيات المسجلة في اليوم الذي سبقه، مما يشير إلى استقرار نسبي في حركة التجارة.
وتوزعت السفن العابرة لباب المندب بين 12 ناقلة نفط و8 سفن لنقل البضائع السائبة، حيث التزمت معظمها بتشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال لضمان سلامة الملاحة. ويأتي هذا الاستقرار في وقت يسود فيه الغموض حول مستقبل التفاهمات الأمنية بين القوى الإقليمية والدولية في منطقة البحر الأحمر.
وفي المقابل، شهد مضيق هرمز تباطؤاً محدوداً في حركة الملاحة، حيث سجل عبور 6 سفن فقط خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية. وشملت الحركة ثلاث ناقلات نفط وثلاث سفن بضائع، سلكت جميعها الممرات الملاحية التي حددتها السلطات الإيرانية لضمان انسيابية المرور في الخليج العربي.
وأشارت التقارير الفنية إلى أن بعض السفن قد تكون تعمدت إغلاق أجهزة التتبع الخاصة بها لأسباب أمنية، مما يجعلها خارج الإحصاءات الرسمية المعلنة. وتعكس هذه الإجراءات حالة الحذر الشديد التي تنتهجها شركات الشحن العالمية عند عبور المناطق القريبة من سواحل التوتر العسكري.
وعلى الصعيد الأمريكي، أعلن الرئيس دونالد ترمب تعليق أي هجمات جديدة على إيران بانتظار ما ستسفر عنه المحادثات الرامية لإنهاء حالة العداء بين الطرفين. ويهدف هذا التوجه الأمريكي إلى الوصول لتسوية شاملة تضمن استقرار أسواق الطاقة العالمية وتؤمن الممرات المائية الحيوية في المنطقة.
ورغم هذه الإشارات التهدوية، لا تزال المخاوف الأمنية قائمة، خاصة مع استمرار التهديدات التي يطلقها الحوثيون في اليمن ضد السفن المرتبطة ببعض القوى الإقليمية. وقد أدت هذه التهديدات إلى دفع ناقلات نفط عملاقة ترفع العلم السعودي لتغيير مسارها بعيداً عن خليج عدن، مفضلة طريق رأس الرجاء الصالح.
ختاماً، يبقى المشهد رهناً بالتوازنات بين الضغوط العسكرية والتحركات الدبلوماسية، حيث تحاول كل أطراف الصراع تحسين شروطها التفاوضية. وبينما تتمسك طهران بمطالبها الاقتصادية والسياسية، تسعى واشنطن لتأمين مصالحها الحيوية في الممرات المائية دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.













