لم يكن اكتشاف مقبرة جماعية جديدة في حي التضامن الدمشقي مجرد إضافة لرقم جديد، بل جاء ليميط اللثام عن الفجوة العميقة بين حجم الجريمة وحجم القدرة على التعامل معها في بلد شهد مستويات هائلة من التجاوزات. وأكدت مصادر أن ملف المفقودين لم يعد ملفاً عادياً، حيث تعجز المؤسسات، رغم المحاولات المعلنة، عن احتوائه نظراً لتشابكه مع التعقيدات السياسية والأمنية والاقتصادية لدولة تخرج من صراع طويل مثقلة بالأزمات.
وتعمل الجهات المعنية حالياً ضمن واقع قسري يتسم باقتصاد منهك وأولويات أمنية متغيرة، مما جعل ملف المفقودين عبئاً يفوق الطاقة المؤسساتية. وأشارت مصادر إلى ضرورة التمييز بين العجز الناتج عن قلة الإمكانيات وبين الإنكار الذي يهرب من المسؤولية، محذرة من أن يتحول هذا العجز إلى غطاء للإفلات من العقاب، خاصة مع ظهور شخصيات ارتبطت أسماؤهم بالعنف في المشهد العام، مثل محمد حمشو وفادي صقر، وهو ما يُفهم شعبياً كرسالة بأن القوة قد تحمي من المساءلة.
وبالنسبة لعائلات الضحايا، فإن المطالب تتجاوز التقارير والأرقام؛ إذ يبحثون عن ‘حق المعرفة’ كحد أدنى أخلاقي، يشمل حماية الأدلة ومنع طمس الوقائع. وترى مصادر أن العجز عن المحاسبة الجنائية في الوقت الراهن لا يعفي من المسؤولية السياسية والأخلاقية، مؤكدة أن الصمت أو المماطلة يغذيان مشاعر النقمة ويفتحان الباب أمام روايات مشوهة للتاريخ وفقدان الثقة في أي مسار مستقبلي للاستقرار.
ما يطلبه ذوو المفقودين في الحد الأدنى ليس العدالة الكاملة فورا، بل الحقيقة: معرفة المصير، واستعادة الجثامين، والقدرة على إعلان الحداد بدل هذا الانتظار المفتوح.
وعلى الصعيد الدولي، يبرز تساؤل حول دور المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، حيث يترك بطء التنسيق الدولي الدولة والمجتمع أمام عبء يفوق قدرتهما. وتعتبر المصادر أن الاعتراف العلني بحدود الإمكانيات وطلب الدعم الدولي ليس ضعفاً، بل مسؤولية أخلاقية تهدف لفتح الملف بوصفه جرحاً وطنياً يحتاج إلى شفافية مطلقة وإشراك حقيقي لذوي الضحايا في معرفة الحقيقة، حتى وإن كانت موجعة.
وفي ختام التوثيق الذي أجراه فريق ‘مبادرة فلسطينيي سورية للرقابة الشعبية- مرصد’ للمقبرة الجماعية الخامسة، يبقى السؤال قائماً حول الإنجازات الحقيقية التي تمت منذ اكتشاف المقبرة الأولى. وتتساءل المصادر عما إذا كانت هناك ترتيبات فنية وجاهزية لاكتشافات مستقبلية، أم أن العثور على المقابر سيظل رهيناً للمصادفة، وهو سؤال يضع جميع الجهات المعنية أمام مسؤولياتها التاريخية.













