شهدت العاصمة المصرية القاهرة، الثلاثاء، إقرار تعديل وزاري واسع شمل تعيين 13 وزيراً جديداً في حكومة مصطفى مدبولي، التي تضم 30 حقيبة وزارية. وجاءت هذه الخطوة بتوجيهات مباشرة من الرئاسة المصرية لتعزيز الأداء الحكومي في ملفات حيوية تتصدرها قضايا الأمن القومي والتنمية الاقتصادية الشاملة.
وأكدت الرئاسة المصرية أن الرئيس عبد الفتاح السيسي عقد مشاورات مكثفة مع رئيس الوزراء للوصول إلى هذا التشكيل الذي يهدف لتحقيق أهداف محددة. وتتضمن هذه الأهداف تطوير السياسة الخارجية، والنهوض بقطاعات الإنتاج والطاقة والأمن الغذائي، بالإضافة إلى بناء الإنسان المصري كأولوية قصوى في المرحلة المقبلة.
وفي خطوة تنظيمية لافتة، وافق مجلس النواب بالأغلبية المطلقة على التعديلات التي تضمنت استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية. كما تقرر إعادة وزارة الإعلام إلى الهيكل الحكومي بعد غياب استمر منذ أبريل 2021، حيث تم تكليف ضياء رشوان بتولي هذه الحقيبة الحيوية.
وتأتي هذه التغييرات في وقت تواجه فيه مصر ضغوطاً اقتصادية ناتجة عن الاضطرابات الإقليمية، لا سيما تداعيات الحرب المستمرة في قطاع غزة. وقد كشفت تقارير رسمية عن فقدان ميزانية الدولة لنحو 9 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس خلال العامين الماضيين بسبب التوترات في البحر الأحمر.
وشملت التعديلات الجديدة تعيين محمد فريد وزيراً للاستثمار والتجارة الخارجية، في مسعى لجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتعزيز الصادرات. كما تم فصل وزارتي التخطيط والصناعة لتصبحا جهتين مستقلتين، وتولى مسؤوليتهما كل من أحمد رستم وخالد ماهر على التوالي لضمان تركيز أكبر على الإنتاج المحلي.
وعلى صعيد الدبلوماسية والتعاون الدولي، جرى دمج حقيبة التعاون الدولي مع وزارة الخارجية تحت قيادة الوزير بدر عبد العاطي. ويهدف هذا الدمج إلى توحيد القنوات الدبلوماسية والاقتصادية لمصر مع المؤسسات الدولية، بما يخدم الرؤية التنموية للدولة ويحقق تناغماً في التحركات الخارجية.
في المقابل، حافظ عدد من الوزراء في الحقائب السيادية والخدمية على مناصبهم، ومن بينهم وزراء الدفاع والداخلية والمالية والصحة والنقل. ويعكس هذا الاستقرار في بعض الوزارات رغبة الدولة في استكمال المشروعات القومية الكبرى التي بدأت في قطاعات البنية التحتية والخدمات الأساسية.
الأمن القومي بمفهومه الشامل لا ينفصل عن الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية، خاصة مع المتغيرات العالمية التي تعصف باقتصادات العالم.
من جانبه، اعتبر ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل أن هذه التعديلات تمثل إعادة ترتيب واعية لأدوات الإدارة المصرية لمواجهة التحديات الإقليمية. وأشار إلى أن المنطقة المحيطة بمصر تشهد صراعات في السودان وليبيا وغزة، مما يتطلب حكومة أكثر انسجاماً وقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة وسريعة.
وشدد الشهابي على أن المحور الاقتصادي سيكون الاختبار الحقيقي لنجاح هذه الحكومة في كسب ثقة الشارع المصري. وأوضح أن المطلوب حالياً هو تسريع الانتقال نحو اقتصاد إنتاجي يعتمد على الزراعة والصناعة، مع تبني سياسات اجتماعية تخفف الأعباء المعيشية عن المواطنين.
وفي سياق متصل، أشاد خبراء اقتصاديون بتعيين نائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، معتبرين أنها خطوة ترفع مستوى التنسيق بين السياسات المالية والاستثمارية. ويرى مراقبون أن هذا المنصب سيساهم في تقليل البيروقراطية وتسريع تنفيذ الخطط التنموية التي تعثرت بسبب الأزمات العالمية المتلاحقة.
وأوضح الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات أن الأمن القومي لم يعد يقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل امتد ليشمل الأمن الغذائي والطاقوي. وأضاف أن التوترات الجيوسياسية تفرض على الحكومة الجديدة خلق ميزات تنافسية للاقتصاد المصري لضمان استقراره أمام الهزات الخارجية.
ومن المقرر أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية يوم الأربعاء أمام الرئيس السيسي في قصر الاتحادية، لتبدأ الحكومة مهامها رسمياً. وينتظر الشارع المصري من هذا التشكيل نتائج ملموسة تتعلق بضبط الأسواق وتوفير فرص العمل وتحسين جودة الخدمات العامة في ظل الظروف الراهنة.
وتشير القراءات السياسية إلى أن الإبقاء على مصطفى مدبولي رئيساً للوزراء مع تغيير نحو نصف أعضاء حكومته يعطي إشارة بالاستمرارية مع التجديد. ويهدف هذا المزيج إلى الحفاظ على الخبرات المتراكمة مع ضخ دماء جديدة قادرة على الابتكار في مواجهة الملفات المعقدة التي تديرها الدولة.
ختاماً، تضع هذه التعديلات الحكومة المصرية أمام مسؤولية تاريخية لحماية مقدرات الدولة في ظل إقليم مضطرب. وسيكون التنسيق بين الوزارات الخدمية والاقتصادية هو المعيار الأساسي لتقييم نجاح هذه المرحلة، خاصة فيما يتعلق بربط السياسات الاقتصادية بمتطلبات الأمن القومي الشامل.












