تحل الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة في ليبيا وسط مشهد سياسي معقد، حيث يرى مراقبون أن البلاد لا تزال تدفع أثماناً باهظة جراء حالة التشظي المؤسساتي. وأشار خبراء إلى أن الجمود السياسي الحالي يعيق أي تقدم حقيقي نحو الاستقرار، معتبرين أن العودة إلى إرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع هي الوسيلة الوحيدة لتجاوز هذه المرحلة الانتقالية الطويلة.
ومنذ اندلاع الثورة الشعبية في السابع عشر من فبراير عام 2011، والتي أدت إلى الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي، شهدت البلاد تعاقب تسع حكومات مختلفة. هذا التغيير المستمر في السلطة التنفيذية لم يفلح في إنهاء الانقسام، بل أدى في كثير من الأحيان إلى ترسيخ سلطتين متوازيتين في شرق البلاد وغربها، مما أضعف المركز القانوني للدولة دولياً.
وتتوزع السيطرة الحالية بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة المعترف بها دولياً في طرابلس، وبين الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في بنغازي. هذا الانقسام الإداري لم يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل امتد ليشمل المؤسسات السيادية والمالية، مما أدى إلى تشتت الجهود الرامية لإعادة الإعمار وتوحيد الميزانية العامة.
وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي محمد محفوظ أن المصالحة الوطنية يجب أن تُفهم في سياقها الصحيح، مفرقاً بين المصالحة الشعبية التي نجحت في فض نزاعات قبلية، وبين المصالحة السياسية المتعثرة. وأوضح محفوظ أن الأطراف المتصدرة للمشهد حالياً قد لا ترغب في مغادرة السلطة، مما يجعل من توحيد المؤسسات السيادية ضرورة قصوى تسبق أي عملية انتخابية.
من جانبه، لفت المحلل أحمد التهامي إلى أن الفاتورة الاقتصادية للانقسام أصبحت لا تُطاق بالنسبة للمواطن الليبي البسيط، حيث تراجعت قيمة الدينار بشكل ملحوظ. وأضاف أن ارتفاع تكاليف المعيشة هو نتاج مباشر لغياب سياسة نقدية موحدة، مشيراً إلى أن بعض النخب السياسية تستفيد من الوضع الراهن وتخشى أن تنهي المصالحة مكاسبها المادية.
وعلى صعيد التدخلات الخارجية، ذهب المحلل عز الدين عقيل إلى أن القوى الدولية، وتحديداً الولايات المتحدة وبريطانيا، تمارس هيمنة واسعة على الموارد النفطية الليبية. وحذر عقيل من أن استمرار هذا النفوذ الأجنبي يعمق الأزمة الداخلية ويحول دون وصول الليبيين إلى توافق وطني خالص بعيداً عن الإملاءات الخارجية التي تخدم مصالح دولية.
وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع كشف وثائق أمريكية حديثة عن محاولات سابقة لابتزاز مسؤولين ليبيين والاستيلاء على أصول الدولة المجمدة في الخارج. وتتحدث التقارير عن تورط شبكات دولية في التخطيط للسيطرة على استثمارات ليبية تقدر بنحو 200 مليار دولار، وهي أموال موزعة بين ودائع وأسهم وعقارات في عدة دول أوروبية.
السبيل الوحيد لإنهاء حالة التصارع هو القبول بمخرجات صندوق الاقتراع لإنهاء الأزمة المؤسساتية.
إن الصراع على الشرعية بين طرابلس وبنغازي أدى إلى شلل في تقديم الخدمات الأساسية في العديد من المناطق، خاصة في الجنوب الليبي الذي يعاني من تهميش مضاعف. ورغم الجهود التي تبذلها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلا أن الفجوة بين الأطراف المتنازعة لا تزال واسعة، خاصة فيما يتعلق بالقوانين الانتخابية وشروط الترشح للرئاسة.
ويرى مراقبون أن الحل يكمن في مسار مصالحة حقيقي تقوده مؤسسات دولة موحدة، بعيداً عن التجاذبات التي تخيم على المشهد منذ سنوات. ويشدد هؤلاء على أن أي تأخير إضافي في إجراء الانتخابات سيزيد من مخاطر الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، في ظل تزايد حالة الإحباط الشعبي من الوعود المتكررة بالاستقرار.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن الحلول العسكرية أو الصفقات السياسية الفوقية لم تنجح في إنتاج استقرار دائم في ليبيا. وبدلاً من ذلك، يطالب الشارع الليبي بضمانات دولية ومحلية لإجراء انتخابات شفافة تنهي شرعية الأجسام السياسية الحالية التي تجاوزت مددها القانونية بسنوات، وتعيد الأمانة إلى الشعب لاختيار ممثليه.
وفي ظل هذا الانسداد، تبرز أهمية توحيد المؤسسة العسكرية كضمانة أساسية لحماية أي عملية ديمقراطية مستقبلية. فبدون جيش موحد يتبع سلطة مدنية منتخبة، ستظل التهديدات الأمنية قائمة، وستبقى المجموعات المسلحة لاعباً مؤثراً في توجيه القرار السياسي والسيطرة على المقدرات الاقتصادية للبلاد.
كما تبرز قضية الأموال المنهوبة والمجمدة كأحد أكبر التحديات التي تواجه أي حكومة مستقبلية، حيث تتطلب جهوداً قانونية ودبلوماسية جبارة لاستعادتها. ويرى خبراء أن هذه الأموال كفيلة بتحويل ليبيا إلى ورشة عمل كبرى لإعادة الإعمار إذا ما وُجهت بشكل صحيح بعيداً عن الفساد الإداري والمالي المستشري.
ختاماً، تبقى ذكرى الثورة الخامسة عشرة محطة للتأمل في المسار الذي سلكته البلاد، بين طموحات التغيير وواقع الانقسام المرير. إن التحدي الأكبر اليوم يكمن في تحويل هذه الذكرى إلى دافع لإنهاء المرحلة الانتقالية، والبدء في بناء دولة المؤسسات والقانون التي حلم بها الليبيون في فبراير 2011.
أفادت مصادر متابعة للشأن الليبي بأن الضغوط الدولية قد تزداد في الفترة المقبلة لدفع الأطراف نحو طاولة حوار جديدة. ومع ذلك، يبقى الرهان الحقيقي على مدى استجابة القوى المحلية لنداءات التوافق، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية والجهوية الضيقة التي عرقلت مسيرة الدولة لسنوات طويلة.












