صدام دبلوماسي بين ماكرون وميلوني على خلفية مقتل ناشط يميني في ليون

20 فبراير 2026آخر تحديث :
صدام دبلوماسي بين ماكرون وميلوني على خلفية مقتل ناشط يميني في ليون

وجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحذيراً شديد اللهجة إلى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، مطالباً إياها بالكف عن التدخل في الشؤون الداخلية لفرنسا. جاء هذا الموقف الحاد رداً على تصريحات ميلوني التي استنكرت فيها مقتل ناشط ينتمي لليمين المتشدد في مدينة ليون الفرنسية مؤخراً.

وكانت ميلوني قد وصفت واقعة القتل بأنها تمثل جرحاً غائراً لكل القارة الأوروبية، معربة عن أسفها العميق لما أسمته مناخ الكراهية الأيديولوجية المتصاعد. واعتبرت رئيسة الوزراء الإيطالية أن الحادثة تعكس تدهوراً في القيم السياسية التي يجب أن تسود المجتمعات الديمقراطية في أوروبا.

في المقابل، رد ماكرون بلهجة حازمة قائلاً إنه يجب على كل مسؤول البقاء في مساره الخاص وعدم إقحام نفسه في أحداث تقع خارج حدود دولته. وأبدى الرئيس الفرنسي دهشته من قيام القوميين، الذين يرفضون أي تدخل خارجي في بلادهم، بالتعليق المستمر على شؤون جيرانهم.

من جانبها، نقلت تقارير إعلامية عن مصادر حكومية إيطالية شعورها بالدهشة والاستغراب من رد فعل الإليزيه العنيف تجاه تصريحات ميلوني. وأكدت المصادر أن كلمات رئيسة الوزراء كانت تهدف للتعبير عن التضامن الإنساني مع الشعب الفرنسي ولم تكن تهدف للتدخل السياسي.

وأوضحت المصادر الإيطالية أن إدانة مناخ الكراهية هي رسالة تضامن مع عائلة الضحية الشاب كوينتن ديرانك، الذي فقد حياته في ظروف مأساوية. وشددت على أن هذه التصريحات لا تمس السيادة الفرنسية، بل تعبر عن قلق مشترك من العنف السياسي الذي يجتاح عدة دول أوروبية.

وتعود تفاصيل القضية إلى وفاة الشاب كوينتن ديرانك، البالغ من العمر 23 عاماً، متأثراً بجراح خطيرة في الرأس. وكان ديرانك قد تعرض للضرب المبرح من قبل مجموعة من الأشخاص خلال احتجاج لليمين خارج إحدى الجامعات في الأسبوع الماضي.

وأعلن المدعون العامون في فرنسا سعيهم لتوجيه تهم القتل العمد ضد سبعة مشتبه بهم من أصل أحد عشر شخصاً تم اعتقالهم. ومن بين المتهمين مساعد برلماني يعمل لدى نائب ينتمي لليسار المتشدد في الجمعية الوطنية الفرنسية، مما زاد من حساسية القضية.

دعوا كل شخص يبقى في مساره الخاص، وتوقفوا عن التعليق على ما يحدث في دول الآخرين.

وأشارت مصادر مقربة من التحقيقات إلى أن معظم الموقوفين ينتمون لحركات يسارية راديكالية، من بينها جماعة الحرس الشاب المناهضة للفاشية. وقد أدت هذه المعلومات إلى اشتعال التوترات السياسية في البلاد، خاصة مع اقتراب مواعيد انتخابية هامة.

وتأتي هذه الحادثة في وقت حساس لفرنسا التي تستعد لانتخابات بلدية في مارس المقبل، وسباق رئاسي مرتقب في عام 2027. ويُنظر إلى حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف على أنه المستفيد الأكبر سياسياً من هذه التطورات الأمنية المتلاحقة.

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجياني دخل على خط الأزمة، معتبراً أن مقتل الناشط في ليون هو مسألة خطيرة تخص الجميع ولا تقتصر على فرنسا. وشبه تاجياني الحادثة بما شهدته إيطاليا خلال سنوات الرصاص، وهي فترة اتسمت بالاغتيالات السياسية بين اليمين واليسار.

وأكد تاجياني أن إدانة مثل هذه الحوادث تهدف لضمان عدم العودة إلى الماضي الأليم الذي عانت منه إيطاليا لعقود. واعتبر أن العنف السياسي يمثل تهديداً وجودياً للاستقرار في القارة الأوروبية بأكملها، مما يستوجب موقفاً موحداً من جميع القادة.

يُذكر أن العلاقة بين ماكرون وميلوني شهدت تصادمات متكررة في السابق حول ملفات شائكة مثل الهجرة غير النظامية وحقوق الإجهاض. ورغم هذه التوترات، من المقرر أن يلتقي الزعيمان في مدينة تولوز الفرنسية خلال شهر أبريل المقبل لعقد قمة ثنائية.

الرئيس ماكرون كان قد صرح في وقت سابق بأنه لا مكان في الجمهورية الفرنسية للحركات التي تبرر العنف أو تتبناه وسيلة للتعبير. وشدد على أن العمل العنيف لا يمكن تبريره تحت أي ظرف، سواء صدر من اليمين أو اليسار، كونه يهدد أسس الدولة.

وتعكس هذه الأزمة الدبلوماسية عمق الانقسام الأيديولوجي داخل أوروبا حول كيفية التعامل مع التطرف السياسي المتصاعد. وبينما تحاول باريس احتواء الموقف داخلياً، يبدو أن تداعيات مقتل ديرانك ستلقي بظلالها على العلاقات الفرنسية الإيطالية لفترة ليست بالقصيرة.