تتصاعد حدة الانتقادات الموجهة للسياسة الخارجية الإماراتية في ظل تقارير تربط بين تحركاتها الميدانية واستراتيجيات قديمة تهدف إلى إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط. وتستند هذه الرؤية إلى وثيقة ‘عوديد ينون’ الصادرة عام 1982، والتي دعت صراحة إلى تفتيت الدول العربية الكبرى إلى كيانات عرقية وطائفية لضمان التفوق الإقليمي.
في الملف الليبي، كشفت مصادر دولية وتقارير صادرة عن الأمم المتحدة عن دعم عسكري ولوجستي مباشر قدمته أبو ظبي لقوات خليفة حفتر. وشمل هذا الدعم تزويد الفصائل المنشقة بطائرات مسيرة ومركبات مدرعة، في خرق واضح لقرار حظر الأسلحة الدولي المفروض على البلاد منذ سنوات.
ولم تقتصر الاتهامات على العتاد، بل امتدت لتشمل التمويل المالي لمجموعات عسكرية خاصة، حيث أشارت تقارير استخباراتية أمريكية إلى دور إماراتي في تمويل عمليات مجموعة ‘فاغنر’ الروسية. وذكرت مصادر أن هذا التعاون يهدف إلى تعزيز نفوذ قوى غير شرعية على حساب الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس.
أما في السودان، فقد اتخذ الصراع بعداً دبلوماسياً رسمياً بعد تقديم الخرطوم شكوى لمجلس الأمن الدولي تتهم فيها الإمارات بالتدخل المباشر. وتضمنت الشكوى أدلة حول تجنيد مرتزقة من كولومبيا ونقلهم عبر مسارات جوية وبرية معقدة للقتال في صفوف قوات الدعم السريع.
وتشير الوثائق السودانية إلى أن شركات أمنية تتخذ من أبو ظبي والعين مقراً لها، قامت بالتعاقد مع ضباط متقاعدين تحت غطاء ‘خدمات الحماية’. إلا أن الواقع الميداني أثبت انخراط هؤلاء في عمليات قتالية مباشرة أدت إلى تدمير البنية التحتية وتفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.
وفي الساحة اليمنية، برزت فضائح الاغتيالات السياسية التي استهدفت عشرات الشخصيات المدنية والدينية في عدن والمحافظات الجنوبية. وأكدت تحقيقات صحفية دولية أن مرتزقة أمريكيين وفرنسيين تم استئجارهم لتنفيذ عمليات تصفية ممنهجة ضد خصوم سياسيين لا علاقة لهم بالتنظيمات الإرهابية.
وتحدثت تقارير حقوقية عن دور محوري لمحمد دحلان في التوسط لإبرام صفقات مع شركات أمنية خاصة مثل ‘Spear Operations Group’. هذه الشركات تولت تدريب عناصر محلية على فنون الاغتيال والتخريب، مما ساهم في تقويض سلطة الحكومة الشرعية وتعزيز النزعات الانفصالية في الجنوب.
إن استراتيجية عوديد ينون لتفكيك الدول العربية تمثل حجر الزاوية في السياسات التي تتبناها قوى إقليمية تسعى لتقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية.
وعلى الصعيد المغاربي، لم تكن الجزائر وتونس بمنأى عن هذه التوترات، حيث وجه قادة سياسيون اتهامات لأبو ظبي بمحاولة التدخل في المسارات الانتخابية. ووصف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون هذه التحركات بأنها محاولات لضرب الاستقرار الوطني عبر إثارة النعرات الهوياتية والعرقية.
وفي تونس، صرح الرئيس السابق المنصف المرزوقي بأن النظام الإماراتي عمل بشكل دؤوب على إفشال التجربة الديمقراطية التونسية. واعتبر المرزوقي أن السياسات الإماراتية تعمل كأداة وظيفية لخدمة مصالح خارجية تهدف إلى تمزيق النسيج العربي وإضعاف الدول المركزية.
الملف السوري شهد أيضاً تحركات مثيرة للجدل، تمثلت في استضافة شخصيات دينية وسياسية مرتبطة بدوائر اليمين الإسرائيلي المتطرف. واعتبر مراقبون أن هذه اللقاءات تهدف إلى تحريض الأقليات العرقية والطائفية في سوريا على الانفصال، تزامناً مع التحولات السياسية الكبرى التي تشهدها البلاد.
وتشير التقارير إلى أن استضافة الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، موفق طريف، تعكس رغبة في فتح قنوات اتصال تخدم أجندات تقسيمية. هذا الدور التدخلي يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية من وراء توريط الدولة في نزاعات بعيدة عن حدودها الجغرافية ومصالح شعبها.
الآلة الإعلامية التابعة لأبو ظبي تحاول باستمرار تبرير هذه السياسات عبر حملات ترويجية، إلا أن الحقائق الميدانية والشهادات الدولية تفرض واقعاً مغايراً. ويرى محللون أن الفجوة تتسع بين التوجهات الرسمية للقيادة الحالية وبين تطلعات الشعوب العربية التي تنشد الوحدة والاستقرار.
إن الاعتماد على المرتزقة الأجانب وتوظيف الجماعات المسلحة في النزاعات البينية العربية يمثل سابقة خطيرة في العلاقات الدبلوماسية. وتؤكد التقارير أن هذه الممارسات لا تخدم سوى القوى التوسعية التي تجد في تفتيت الدول العربية فرصة لفرض هيمنتها المطلقة على المنطقة.
ختاماً، يبقى الرهان على وعي الشعوب والمؤسسات الدولية لردع هذه التدخلات التي تسببت في كوارث إنسانية في أكثر من بلد عربي. إن كشف هذه الحقائق يعد الخطوة الأولى نحو حماية السيادة الوطنية للدول ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة لتنفيذ مخططات أجنبية بأدوات إقليمية.













