كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن انطلاق جولة من المباحثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، بدأت منذ مطلع الأسبوع الجاري، بهدف التوصل إلى تسوية شاملة تنهي حالة الصراع المسلح. وأوضح ترامب في تصريحات عبر منصته ‘تروث سوشيال’ أن هذه المحادثات اتسمت بالإيجابية والإنتاجية، مشيراً إلى رغبته في إنهاء العدائيات بشكل نهائي في منطقة الشرق الأوسط.
وفي تفاصيل إضافية أدلى بها للصحافيين قبيل توجهه إلى ولاية تينيسي، أشار ترامب إلى وجود قائمة تضم 15 بنداً تشكل خارطة طريق لوقف الحرب على إيران. وأكد أن المطالب الأمريكية تتركز حول وقف تخصيب اليورانيوم وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، مع الإبقاء على مخزون معين من اليورانيوم المخصب تحت الرقابة الدولية.
وعلى الجانب الإسرائيلي، أفادت مصادر إعلامية بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يبدِ مفاجأة تجاه الإعلان الأمريكي، مما يعزز فرضية وجود تنسيق مسبق بين واشنطن وتل أبيب. وفي هذا السياق، أجرى نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس اتصالاً هاتفياً مع نتنياهو لمناقشة بنود الاتفاق المحتمل والجهود الدبلوماسية الجارية.
في المقابل، سارعت طهران إلى نفي إجراء أي مفاوضات مباشرة مع الجانب الأمريكي، حيث صرح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بأن هذه الأنباء تهدف للتلاعب بالأسواق المالية. وأكد قاليباف أن الموقف الإيراني ثابت خلف القيادة العليا، مشدداً على أن الشعب يطالب بمحاسبة المعتدين بدلاً من الجلوس معهم في ظل التهديدات.
ورغم النفي القاطع للمفاوضات المباشرة، أقر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بتبادل رسائل مع الولايات المتحدة عبر أطراف ثالثة. وأوضح بقائي أن الرسائل تضمنت تحذيرات إيرانية شديدة اللهجة من مغبة استهداف البنية التحتية للطاقة، مؤكداً أن أي هجوم سيقابل برد قاطع وسريع وفعال.
وفي سياق الوساطة الدولية، برزت باكستان كلاعب محوري في محاولات نزع فتيل الأزمة بين القوى الكبرى وإيران. وذكرت تقارير صحفية أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير أجرى محادثات مع ترامب، في حين تواصل رئيس الوزراء شهباز شريف مع الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان لبحث سبل خفض التصعيد.
وأكد رئيس الوزراء الباكستاني التزام بلاده بأداء دور بناء لتعزيز السلام والاستقرار في منطقة الخليج، مشدداً على أهمية الحوار والدبلوماسية. كما شهدت الأروقة الدبلوماسية اتصالات مكثفة بين وزيري خارجية البلدين، عباس عراقجي ومحمد إسحاق دار، لتقييم التطورات الإقليمية المتسارعة وتجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
أجرينا خلال اليومين الماضيين محادثات جيدة جداً ومثمرة بشأن التوصل إلى حل كامل ونهائي لعدائياتنا في الشرق الأوسط.
تاريخياً، تمتلك باكستان رصيداً طويلاً في رعاية المصالح الإيرانية في واشنطن منذ انقطاع العلاقات الدبلوماسية عام 1979، مما يجعلها وسيطاً مقبولاً للطرفين. وقد سبق لإسلام آباد أن قادت جهود وساطة ناجحة بين طهران والرياض في عام 2019، مستندة إلى حدودها المشتركة الطويلة مع إيران وعلاقاتها الاستراتيجية مع الغرب.
وتشير المصادر إلى أن الولايات المتحدة طلبت رسمياً لقاءً مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، من بينهم رئيس البرلمان، إلا أن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لم يبت في الطلب بعد. وتأتي هذه التحركات في وقت حساس للغاية، حيث يسعى المجتمع الدولي لتفادي انفجار الأوضاع في ممرات الطاقة العالمية.
من جانبها، وصفت أوساط سياسية إسرائيلية تصريحات ترامب بأنها محاولة لإيجاد مخرج دبلوماسي يحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف المعنية. ومع ذلك، لا تزال الشكوك تحوم حول مدى استجابة طهران للشروط الأمريكية الـ15، خاصة تلك المتعلقة بالبرنامج النووي الذي تعتبره إيران حقاً سيادياً غير قابل للتفاوض.
وتتضمن الوفود الأمريكية المقترحة للمفاوضات أسماء بارزة مثل المبعوث ستيف ويتكوف وجارد كوشنر، مما يعكس جدية الإدارة الأمريكية في الوصول إلى اتفاق سريع. ويرى مراقبون أن إشراك صهر ترامب في هذه الملفات يشير إلى رغبة في تكرار نموذج الاتفاقيات الإبراهيمية ولكن في سياق أمني مختلف.
وفي ظل هذا الحراك الدبلوماسي، يترقب العالم انتهاء المهلة التي حددها ترامب بخمسة أيام قبل تنفيذ تهديداته بضرب منشآت الطاقة الإيرانية. وتعتبر هذه المهلة بمثابة ‘فرصة أخيرة’ للدبلوماسية، حيث تهدف واشنطن من خلالها إلى الضغط على طهران للجلوس إلى طاولة المفاوضات بشكل رسمي وعلني.
وتواجه إيران ضغوطاً اقتصادية وعسكرية متزايدة، مما قد يدفعها للقبول بوساطة باكستان كبديل عن الوساطات السابقة التي لم تحقق النتائج المرجوة. ويرى خبراء أن طهران تفضل القنوات الباكستانية نظراً للثقة المتبادلة والخبرة الطويلة في إدارة الملفات القنصلية والسياسية المعقدة بين البلدين.
ختاماً، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، فإما أن تنجح الوساطة الباكستانية في تقريب وجهات النظر والوصول إلى اتفاق ‘تاريخي’ كما يصفه ترامب، أو أن تفشل الجهود الدبلوماسية وتدخل المنطقة في دوامة جديدة من التصعيد العسكري المباشر الذي قد يغير خارطة التحالفات في الشرق الأوسط.













