تحقيق يكشف كواليس سقوط الأسد: انفصال عن الواقع وهوس بالألعاب وعلاقات سرية داخل القصر

9 فبراير 2026آخر تحديث :
تحقيق يكشف كواليس سقوط الأسد: انفصال عن الواقع وهوس بالألعاب وعلاقات سرية داخل القصر

كشفت تقارير صحفية دولية تفاصيل مثيرة حول الساعات الأخيرة التي سبقت سقوط نظام بشار الأسد في السابع من كانون الأول/ديسمبر 2024. وأوضحت المصادر أن الأسد غادر العاصمة دمشق سراً متوجهاً إلى روسيا، تاركاً خلفه أجهزة أمنية ومساعدين في حالة ذهول كامل، بعد أن أوهمهم حتى اللحظة الأخيرة بأن النصر قريب.

وأفاد تحقيق موسع نشرته مجلة “ذا أتلانتك” بأن الأسد استخدم الخداع مع أقرب معاونيه، حيث ترك بياناً رسمياً مسجلاً يعلن فيه ممارسته لمهامه الدستورية من القصر الجمهوري، بينما كان في الواقع يجهز حقائبه للفرار. هذه الخطوة فجرت غضباً عارماً بين أنصاره الذين اكتشفوا تعرضهم للخيانة بعد سنوات من الدفاع عن النظام.

ورسم التحقيق الذي أعده الصحفي روبرت ف. وورث صورة لحاكم منفصل تماماً عن الواقع الميداني والسياسي لبلاده. وذكرت مصادر من داخل الدائرة الضيقة للقصر أن الأسد كان يقضي ساعات طويلة في ممارسة ألعاب الفيديو على هاتفه المحمول، وتحديداً لعبة “كاندي كراش”، متجاهلاً التقارير العسكرية التي كانت تشير إلى انهيار خطوط الدفاع.

وتطرق التحقيق إلى جوانب شخصية مثيرة للجدل، مشيراً إلى أن الأسد كان يعيش في عزلة اجتماعية وسياسية عززتها شبكة علاقات داخل القصر. ولعبت المستشارة الإعلامية لونا الشبل دوراً محورياً في هذه الدائرة، حيث وصفت بأنها كانت تدير جوانب من حياته الخاصة وتؤمن له اتصالات مع نساء من داخل أروقة السلطة.

وعلى الصعيد السياسي، كشفت الوثائق أن دولاً إقليمية وخصوماً تقليديين لم يكونوا يرغبون في سقوط النظام بشكل مفاجئ، وعرضوا على الأسد صفقات تضمن بقاءه مقابل تنازلات محدودة. إلا أن عناد الأسد ورفضه المطلق لمبدأ تقاسم السلطة أدى إلى إغلاق كافة أبواب النجاة السياسية التي عرضت عليه.

وفيما يخص العلاقات مع الولايات المتحدة، أشار التحقيق إلى أن إدارة دونالد ترامب عرضت في عام 2020 تخفيف العقوبات الاقتصادية مقابل معلومات عن الصحفي المفقود أوستن تايس. لكن الأسد رفض العرض بشكل شخصي، متأثراً بوصف ترامب له سابقاً بـ”الحيوان”، وهو موقف تكرر مع إدارة بايدن في عام 2023.

داخلياً، كان القصر الجمهوري يعيش حالة من العبثية، حيث أظهرت تسجيلات مسربة الأسد وهو يسخر من حلفائه ومن جنوده الذين يقاتلون على الجبهات. وفي الوقت نفسه، كان كبار قادة النظام ينشغلون بتجميع ثروات طائلة من خلال إدارة شبكات تجارة مخدرات الكبتاغون التي أغرقت المنطقة.

اللافت أن لا أحد اليوم، تقريبًا، لا داخل سوريا ولا خارجها، لا يزال يؤمن ببشار الأسد، حتى داخل عائلته.

وأوضح التحقيق أن عام 2017 كان يمثل انتصاراً زائفاً للنظام بعد استعادة السيطرة على مناطق واسعة بدعم روسي وإيراني. ومع ذلك، كانت تلك اللحظة هي بداية الانهيار الحقيقي، حيث تحولت الدولة إلى “قشرة فارغة” تعاني من دمار اقتصادي شامل وعقوبات دولية خانقة، مع تزايد ضغوط الحلفاء لتحصيل أثمان دعمهم.

وكشفت مصادر استخباراتية أن إسرائيل درست في عام 2019 إمكانية دعم انقلاب داخلي للإطاحة بالأسد، لكنها تراجعت عن الفكرة بسبب مخاوف من الفوضى التي قد تلي سقوط النظام. وبقي النظام يترنح حتى جاءت نقطة التحول في تشرين الثاني 2024 مع تغير المواقف الإقليمية وبدء الزحف العسكري للمعارضة.

ومع سقوط مدينة حلب وانسحاب المليشيات الداعمة، بدأت القوات النظامية بالانهيار المتسارع والفرار من المواقع العسكرية. الأسد، بدلاً من مواجهة الموقف، اختار الصمت المطبق وأغلق هواتفه، ليبدأ رحلة الهروب التي لم تتضمن أي خطاب وداع للشعب السوري أو لمؤيديه الذين تركهم لمصيرهم.

ويروي التحقيق مشهداً درامياً لحظة صعود الأسد إلى الطائرة الروسية، حيث سأله سائقه بذهول عما إذا كان سيتركهم فعلاً، ليرد الأسد ببرود متسائلاً عن سبب عدم قتالهم. هذا الموقف لخص نهاية حكم استمر ربع قرن، اتسم بالغرور والانفصال عن معاناة الشارع السوري الذي غرق في الفقر والجوع.

إن السقوط المدوي للنظام لم يكن نتيجة موازين قوى دولية فحسب، بل كان نتاجاً لآلية اتخاذ قرار مشوهة داخل القصر الجمهوري. فقد اعتمد الأسد على مستشارين شباب يفتقرون للخبرة، مما ساهم في تعميق عزلته وجعله غير قادر على استيعاب حجم المخاطر التي كانت تحيط بكرسي الحكم.

اليوم، يجمع المراقبون وحتى المقربون سابقاً من النظام على أن الأسد فقد شرعيته تماماً حتى في عيون عائلته. التحول من الولاء إلى الكراهية العارمة كان سريعاً وصادماً، مما يعكس حجم الفجوة التي كانت تفصل بين البروباغندا الرسمية وبين الواقع المعاش داخل أروقة السلطة في دمشق.

ختاماً، يظهر تحقيق “ذا أتلانتك” أن نهاية نظام الأسد كانت حتمية بسبب العجز البنيوي في إدارة الدولة والاعتماد على الحلول الأمنية والمخدرات كمصدر للدخل. الهروب الصامت في ليلة السابع من ديسمبر كان الفصل الأخير في رواية حاكم فضل ألعاب الفيديو وعلاقات القصر على إنقاذ بلاده من الانهيار.