كشفت مصادر إعلامية دولية عن تحركات دبلوماسية مكثفة بين طهران ومسقط تهدف إلى صياغة آلية جديدة لإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز. وتتركز هذه المباحثات حول إنشاء نظام دفع مسبق تلتزم به السفن التجارية العابرة للممر المائي الاستراتيجي، تحت مسمى رسوم الخدمات المقدمة.
وأفادت تقارير نقلاً عن مصادر مطلعة أن الجانب الإيراني يسعى لتجنب الصدام مع القوانين الدولية التي تمنع فرض ضرائب على العبور الحر. وبدلاً من ذلك، تقترح طهران تحصيل مبالغ مالية مقابل خدمات لوجستية وبيئية وفنية تقدمها للسفن المارة عبر المضيق الذي يعد شريان الطاقة العالمي.
من جانبها، أبدت سلطنة عُمان تحولاً في موقفها بعد تحفظ أولي، حيث تدرس حالياً إمكانية تقاسم العوائد الاقتصادية الناتجة عن هذا النظام. وأشارت مصادر إلى أن مسقط قد تلعب دور الوسيط لإقناع دول المنطقة والولايات المتحدة بجدوى هذه الخطة وتأثيراتها على استقرار الملاحة.
وتأتي هذه التحركات في أعقاب توترات أمنية شهدها المضيق في فبراير الماضي، أدت إلى توقف شبه كامل لحركة الشحن وارتفاع حاد في أسعار الطاقة. ويسعى المسؤولون الإيرانيون من خلال هذه الآلية إلى تعزيز سيطرتهم على الممر المائي وتحويله إلى مصدر دخل قومي مستدام.
في سياق متصل، أعلنت هيئة إيرانية مستحدثة لإدارة المضيق عن خريطة جديدة تحدد مناطق الإشراف والرقابة البحرية. وأكدت الهيئة أن عبور السفن للمناطق المحددة سيتطلب الحصول على تصاريح مسبقة، مما يعزز من القبضة الإدارية لطهران على حركة التجارة الدولية في المنطقة.
على الصعيد الدولي، واجهت هذه المقترحات معارضة حازمة من الإدارة الأمريكية، حيث عبر الرئيس ترامب عن رفضه القاطع لأي رسوم إيرانية. وطرح ترامب في تصريحات من المكتب البيضاوي فكرة بديلة تقضي بفرض رقابة دولية أو أمريكية على الممر لضمان مجانية الملاحة.
ووصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو المساعي الإيرانية بأنها غير مقبولة على الإطلاق وتعرقل أي فرص للتوصل إلى اتفاقات دبلوماسية مستقبلاً. وشدد روبيو على أن واشنطن لن تسمح بإعاقة حركة التجارة العالمية في ممر يمر عبره خُمس إمدادات النفط والغاز في العالم.
إنهم يحاولون بذكاء دمج اقتراحهم ضمن الإطار القانوني، لكن فرض رسوم على ممر كان مجانياً يشبه فرض أموال الحماية.
ورغم حالة الهدنة الهشة بين واشنطن وطهران، إلا أن الأخيرة تواصل الضغط لتمرير نظام الرسوم الذي قد يشمل تكاليف بيئية ورسوم رسو وخدمات طوارئ. وترى طهران أن هذه الرسوم مشروعة قانوناً طالما أنها ترتبط بخدمات فعلية ولا تندرج تحت بند ضريبة العبور المجردة.
من الناحية القانونية، تبرز اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 كعائق رئيسي أمام الطموحات الإيرانية، حيث تكفل الاتفاقية حق المرور العابر دون عوائق. وبالرغم من أن إيران لم توقع على هذه الاتفاقية، إلا أن خبراء القانون الدولي يؤكدون أن بنودها أصبحت عرفاً دولياً ملزماً لجميع الدول.
ويشير أساتذة في القانون البحري إلى أن التحدي الأكبر أمام التحالف الإيراني العُماني المقترح يكمن في إثبات أن الرسوم تتناسب طردياً مع الخدمات المقدمة. ويرى مراقبون أن أي مبالغة في تقدير هذه الرسوم سيجعلها تبدو كأنها ‘إتاوات’ غير قانونية تفرض على المجتمع الدولي تحت غطاء إداري.
وتشير التقارير إلى أن عُمان أبلغت الجانب الإيراني باستعدادها لاستخدام قنواتها الدبلوماسية مع السعودية والإمارات وقطر والكويت لبحث المقترح. وتهدف مسقط من ذلك إلى خلق إجماع إقليمي يقلل من حدة التوتر مع القوى الدولية ويضمن توزيعاً عادلاً للمكاسب الاقتصادية المتوقعة.
في المقابل، يرى محللون أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى عسكرة إضافية للمنطقة، حيث قد تلجأ الدول الكبرى لتعزيز تواجدها العسكري لحماية سفنها من إجراءات الهيئة الإيرانية الجديدة. ويحذر خبراء من أن فرض أي قيود مالية قد يدفع شركات الشحن للبحث عن مسارات بديلة أو رفع تكاليف التأمين البحري.
ويبقى مضيق هرمز نقطة ارتكاز في الصراع الجيوسياسي بين إيران والغرب، حيث تستخدمه طهران كأداة ضغط استراتيجية في كل أزمة سياسية. وتعد المحادثات الحالية مع عُمان محاولة لتحويل هذا النفوذ العسكري إلى نفوذ مالي وقانوني معترف به، ولو جزئياً، من قبل دول الجوار.
ختاماً، يترقب المجتمع الدولي نتائج هذه المفاوضات وما إذا كانت ستفضي إلى اتفاق رسمي أو ستؤدي إلى جولة جديدة من التصعيد في مياه الخليج. وتظل التساؤلات قائمة حول قدرة طهران على فرض واقع جديد في الملاحة الدولية دون الاصطدام المباشر مع القوى البحرية الكبرى.













